ابن عجيبة

54

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الذات الأزلية ، فالكل منه وإليه ، ولا شئ معه ، فتنوعت أنوار التجليات ، وتعددت أسماؤها بتعدد فروعها ، والمتجلى واحد ، كما قال صاحب العينية : تجلّى حبيبي في مرائي جماله * ففي كلّ مرئي للحبيب طلائع فلمّا تبدّى حسنه متنوّعا * تسمّى بأسماء فهن مطالع . ولا يفهم هذا إلا من هداه اللّه لمعرفته ، كما قال : [ سورة النور ( 24 ) : آية 46 ] لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 46 ) يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ لكل ما يليق بيانه ؛ من الأحكام الديني ، ة والأسرار التكوينية . أو : موضحات ، أوضحنا بها ما يحتاجون إليه من علم الشرائع والأحكام ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ توفيقه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : دين قيّم يوصل إلى رضوان اللّه ومعرفته . الإشارة : لقد أنزلنا من بحر الجبروت أنوارا ساطعة لعالم الملكوت ، واللّه يهدى من يشاء إلى طريق شهود هذه الأنوار . فالطريق المستقيم هي التي توصل إلى حضرة العيان ، على نعت الكشف والوجدان ، وهي ثلاثة مدارج : المدرج الأول : إتقان الشريعة الظاهرة ، وهي تهذيب الظواهر وتأديبها بالسنّة والمتابعة . والمدرج الثاني : إتقان الطريقة ، وهي تهذيب البواطن وتصفيتها من الرذائل ، فإذا تطهر الباطن ، وكمل تهذيبه ، أشرف على المدرج الثالث ، وهو كشف الحقائق العرفانية والأسرار الربانية ، فيفنى من لم يكن ، ويبقى من لم يزل ، فيقع العيان عل فقد الأعيان ، وتشرق شمس العرفان فتغطى وجود الأكوان . وباللّه التوفيق . « 1 » ولما ذكر إنزال الآيات ذكر افتراق الناس إلى ثلاث فرق ، فرقة آمنت ظاهرا وكفرت باطنا ، وهم المنافقون ، وفرقة آمنت ظاهرا وباطنا ، وهم المخلصون ، وفرقة كفرت ظاهرا وباطنا وهم الكافرون ، وبدأ بالأولى ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : الآيات 47 إلى 50 ] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ ( 48 ) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ( 49 ) أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 50 )

--> ( 1 ) انظر النادرات العينية / 69 .